إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 13 فبراير 2017

هل رأى غوستاف مالر الله من جديد؟

في نهاية الحركة الرابعة من سيمفونيته الخامسة، المقطع الأشهر و الأكثر رواجا لمالر، يظهر الدافع الموسيقي في هيئة رجل يقف على أرض منبسطة بيضاء، و بينما كان هو قد فقد كل إتصال مع "الآخر"، تخرج الشمس، لطيفة في البداية، نورها بارد ينزل على الجلد، مثل عودة شيء كان قد ضاع، ثم بعد ذلك كشيء صارخ، طاغ، و لكنه محبب. مالر، الذي كان في سيمفونيات سابقة يركز على الموت الجنائزي و يتذمر منه، عاد هذه المرة و معه الشمس.

في رسالة تركتها، ألما زوجته، توجد قصيدة مقتضبة كتبها مالر لها:

كم أحبك، أيتها الشمس، التي لي

لا يمكنني أن أخبرك ذلك عبر الكلمات.

أستطيع فقط 

أن أبعث لك كرثاء توقي و إشتياقي لك 

و حبي، و كل النعم.

الرسالة التي تبدو و كأنها إجابة على جزع شوبان من أن يدفن. إن كان مالر يستطيع أن يخاطب زوجته، برسالة حب يقدمها كمرثية لنفسه التي ماتت، فإن بإمكانه ألا يقلق مثل شوبان من أنه سيكون حيا بعد أن يدفن. هو يعرف أنه سيكون حي مثلما هو حي الآن. أما الحب، الذي هو الشمس، فهو ذلك الإطمئنان، الثقيل، الذي سوف يظهر بعد الموت، مثلما هو موجود قبل الموت، و هو الأبدية. شوبان لم يفهم أن الحياة التي سوف تأتي بعد الموت هي حياة يمكننا أن نشعر بها من الآن، أن نرى أنها نتاج دخولنا في فضاء المعنى، تحولنا إلى جزء من معنى، لا يموت، و أن نطمئن إلى أنها مثل شمس الحب، هي إكتشاف لأبدية نتجت من وجودنا الحالي.

كل ذلك سيجعل مقدمة "غناء العزلة ضد العزلة"، التي نعبر خلالها عادة كأنها مجرد تشوش جميل، سيجعلها واضحة جدا:

الإبداع كسلاح ثوري... أو لماذا يجب علينا أن نتخلى عن شعار إسقاط النظام؟

سيكون علينا أن نعيد إكتشاف التعقيد. كلما هجم علينا الواقع، و ممثلوا الواقع، بدغمائيتهم البسيطة: "يجب أن ندافع (فورا) عن المظلومين"، "يجب أن نتبرع أو نتصدق للفقراء (فورا)"، "أنت لا يمكنك أن تقف أمام كل هذا بلا حراك!" إلخ. علينا حينها، و تحديدا لكي نحافظ على درجة من الدفء الثوري في قلوبنا، علينا أن نظهر أقسى درجات البرود: "عفوا، و لكنني سأفضل أن لا أفعل أي شيء، دعوني، لو سمحتم، أفكر قليلا...". في هذا المستوى فإن المعركة هي على الأسس، سيكون من السهل بالنسبة لهؤلاء أن يتهموك بقلة الثورية، أما نحن فنسمارس كل العنف و في صمت: سنقوم بتدمير الأسس التي تجعل من أمثال هؤلاء... ثوريين. 

المريض الإنجليزي The English Patient: الحب و الذات

لا بأس من بعض الذاتية: تظهر على جانبي من النافذة شجرة كبيرة جدا، و الصباح المعطر بالرطوبة هنا في الضاحية الصغيرة البعيدة يكاد ينطق فرحا. ما هو مصير هذه الأبيات في "غناء العزلة ضد العزلة"؟

والعصافير اكتمال للندى

في شرفة الحلم

تسد الأفق

تبحث عن طفولتها بذاكرة الفضاء الرحب

والفجر المُعلب في رفوف الصمت

واللغة الخفية للغناء على مسام العشب

والشجر المخبأ في تماثيل الشجر

الحزن لايتخير الدمع ثياباً..

ربما يمكن للمرأ أن يجزم أن هذه الأبيات ليست أقل من حادثة ظهور "الذات" في أكثر تبدياتها حزنا. و ألقا، و قوة!. في داخل مثل هذا الفراغ بين التعبير و الفهم.. بين الشجر و الشجر المخبأ في تماثيل الشجر! يغيب الإنسان ليظهر الحب. و فيها أيضا تظهر "الجمهورية".

إضراب الأطباء 2010م: فنُّ استعادة الفَشَل

الخلفية

لطالما لَعِبَ المتعلُّمون السودانيون، والطبقة الوسطى عموماً، دوراً رجعيَّاً في السياسة السودانية. فتحْتَ سَمَعِهم وبصرهم تمّ تمرير استراتيجية "تثقيف" الصراع السياسي. التثقيف الذي أخرج الاقتصاد والواقع المادي بالمُجمل من معادلة الفعل السياسي في البلاد. وبينما تحوَّلت السياسة السودانية إلى حالة دائمة من الصراع الثقافي بين العرب والأفارقة وبين الإسلاميين والعلمانيين، تم، وبصورة منهجية، سحقُ طبقات اجتماعية فقيرة وتجريدها من أية حياة ذات معنى. يشتغل العامل السوداني المتوسط لساعات طويلة جداً، إن كان في قطاع المواصلات أو في قطاع البيع بالتجزئة وغيرها، وفي أغلب الأحيان فإن هذا العامل يتحصل على فُرَص عمل بشكلٍ متقطِّع وباليومية. وليس له أن يحلم حتى بوظيفة دائمة أو بضمان اجتماعي في أوقات المرض أو عند التقدم في السن. ولأنه في الغالب شخص "جاهل" بلا أيِّ منفذٍ للمعرفة ومجال الاحتجاج الإلكتروني، فإن ضعفه سوف يُضَاعف نفسه مع الوقت، وستعمل نخبٌ دينيةٌ مقيتةٌ على نشر "وعيها الزائف" و"أفيونها" بين هذه الفئات لتُحوِّلْهَا لفئات فقيرة أصولية تعمل على منع نفسها ذاتياً من الحرية. على هذه الأنقاض البشرية عاشت الطبقة الوسطى السودانية امتيازها النسبي في التعليم الجيّد، واحتكار فُرص السفر للعمل وإكمال الدراسة في الخارج. ومؤخراً، قامت الحكومة بتمرير استراتيجية خصخصت بموجبها التعليم الأساسي والثانوي الذي كان المنفذ الوحيد الذي يصل الفقراء في السودان من خلاله إلى حياة أفضل. وبالتأكيد فإن الطبقة الوسطى السودانية، وهي القادرة على تعليم أبنائها بالمال، لم تُبدِ كثير تذمرٍ ولا قلقٍ من هذا الواقع التعليمي الجديد. 

من أين أتى هؤلاء؟

لا يمكن لعبارة الطيب صالح الشهيرة، التي هي في الواقع "من أين جاء هؤلاء الناس"، إلا أن تبدوا خرقاء إذا ما أخذناها بالمعنى الإحتفالي الذي روجت النخبة المعارضة له. شعور التفاجؤ الذي توحي به هو شعور مغفل على أفضل الفروض: الكل في السودان كان يعلم أن إحتمالية وصول الحركة الإسلامية للسلطة هي إحتمالية شبه مؤكدة، الحركة كانت قد أكملت عملية تدمير اليسار تحت وطأت إنتصارها الأيديولوجي الذي ترافق مع إنتصار آخر أوسع لليبرالية الديمقراطية في كل مكان، و كان زعيمها السياسي هو الوجه الأبرز في الساحة الساسية، و كوادرها و قواعدها هم القوة الأكثر حركية و تأثيرا. حتى الكراهية الشديدة التي حظي بها حسن الترابي كانت تشير لذلك، لا وعي المعارضين كان يخبرهم بأن الرجل قد إنتصر عليهم، و ذلك حرك فيهم أسوأ مشاعر اللا وعي العلمانية: كيف يمكن لهذا "الشيخ"، سليل مدارس التفكير الإخوانية الأصولية السطحية، و الرجل غير العابيء بالقيم السامية "للإعلان العالمي لحقوق الإنسان" و غيرها من الوثائق التي تقدسها النخبة، كيف يمكن له أن يتحول للرمز الذي لا يحرك القواعد غير المتعلمة فقط، بل و كذلك الطلاب و كثير من المثقفين؟ 

السبت، 13 أغسطس 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [3/3]

السؤال الأهم في تلك الفترة بالنسبة لي، أهم حتى من السياسة ومن كل شيء، كان: كيف يمكن أن أكون حراً؟ لاحظت بسرعة أنّ مجموعات الخارجين على الدين لا تمثل ملجأً بالنسبة لي.

الجمعة، 22 يوليو 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [2/3]

فكرياً، قُدِّم لجيلنا الخيار على أنه إما التزام نوع أو آخر من الأصولية داخل الدين، أو الخروج من الدين. وكما هو الحال مع كل الخيارات المفروضة علينا: أن نكون إما سُنّة وإما شيعة، إما علمانيين وإما إسلاميين، إما أصوليين متطرفين وإما ليبراليين لا مبالين... إلخ. فإن غاية ما يجب فعله هو البحث عن سبيل ما لرفض الاختيار، وأن نبدأ من نقطة أخرى.

كنت قد بدأت في الجزء الأول حكاية تجربتي مع مفكر أعتقد أنه يمثل هذه البداية، حيث قدمت خلاصة تجربتي مع الأصولية. في هذا الجزء سأتطرق للأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزت أمامي، وسأختم في الجزء الأخير بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.

الاثنين، 18 يوليو 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [1/3]

فكرياً، قُدِّم لجيلنا الخيار على أنه إما التزام نوع أو آخر من الأصولية داخل الدين، أو الخروج من الدين. وكما هي الحال مع كل الخيارات المفروضة علينا: أن نكون إما سُنّة وإما شيعة، إما علمانيين وإما إسلاميين، إما أصوليين متطرفين وإما ليبراليين لا مبالين... إلخ. فإن غاية ما يجب فعله هو البحث عن سبيل ما لرفض الاختيار، وأن نبدأ من نقطة أخرى.

سأحاول أن أحكي عن تجربتي مع مفكّر أعتقد أنه يمثّل هذه البداية. سأبدأ أولاً بتقديم نتاج تجربتي مع الأصولية، ثم في الجزء الثاني سأتطرق إلى الأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزّت أمامي، سأختم بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.

الخميس، 30 يونيو 2016

ما هو ال"دياليكتيك"؟

قبل ما نبدا. في العادة المصطلح دا بيقولوهو ناس ما بعرفو عنو شي. لدرجة انو بقا مصطلح مضحك. كلنا بنعرفه و ما بنعرف عنو اي شي في نفس الوقت. الحاجة دي بتعبر عن مشكلتين:
1- انو المصطلح بقا بستمد قوته من الانبهار بالحضارة الغربية: زي كلمة ما بعد الحداثة مثلا. ما لازم تكون عارف معناها لمن تقولها و برضو حتاخد وضع المثقف البنطق بالحقيقة. او اسم ميشيل فوكو مثلا. لكن لو قلت عبد الله علي ابراهيم فانت لسة زول عادي. ممكن كلامك يكون غلط.
2- انو استعمال المصطلح بقا بدل ما يؤدي لنشر معرفة بقا بالعكس بيؤدي لاعطاء شرعية للجهل. اي شخص متوسط الذكاء حيلاحظ انو ماف فرق بينو و بين المثقف البقول في المصطلحات دي. و حيجيهو شعور عميق بانو الثقافة دي ضياع زمن. او هي مجرد "نمط حياة" مختلف.

The Politics of Truth

في العادة الناس بستعيدوا محمود محمد طه... عن طريق افكاره الدينية. الرسالة التانية.. الغاء الحدود الخ. او بافكاره السياسية زي افكاره حول الديمقراطية او نقده للماركسية. عموما بيستعاد محمود محمد طه المفكر و ببدوا الناس يحاولوا يبنو ال legacy بتاعتو علي انو كلامه طلع صاح. انا بزعم انو محمود المفكر هو اسوأ جانب من جوانب الاستاذ (ببساطة لأنو افكاره ما صحيحة انا شايف). و إنو الرمزية الحقيقية للاستاذ هي كونه اول شخصية سودانية مارست السياسة إستنادا علي الحقيقة فقط.

الخميس، 16 يونيو 2016

في الجذرية (2-2)

(2) الجذرية: الروح داخل المادة

هنالك فضاء اخر يتحرك فيه الفعل السياسي بشكل مختلف؛

في الجذرية (1-2)

(1) الحضيض

من السهل جدا ادعاء الجذرية: يقف شعار الانقاذ في بداياتها "امريكا قد دنى عذابها" كمثال طريف على هذه الحقيقة، و اكثر من ذلك... يمكننا ان نستخدم هذا المثال لنرسم خطوط التشابه التي تربط شقي نخبتنا السياسية، في الحكومة و المعارضة.

Death of Marat - Jacques-Louis David


الشخص الميت في اللوحة دي هو جان بول مارات، إللي هو كان واحد من أكتر الصحفيين المؤثرين في أيام الثورة الفرنسية، أسس جريدة إسمها "صديق الشعب" كانت بتعتبر إنها لسان مجموعة اليعاقبة الزعيمهم روبيسبيير. إللي هم ديل حسب الفكرة الدرامية الشائعة عن الثورة الفرنسية هم الجماعة الإنطبق عليهم القول اللي يكاد يكون هزلي لكنه بصورة ما حقيقي برضو "الثورة تأكل أبناءها". 

لوحة "الصرخة" ... إدوارد مونش


اللوحة دي إسمها "الصرخة" .. رسمها النرويجي إدوارد مونش.

وحدة من إنجازات الفن الحديث هو إنو كسر الفكر التقليدية عن "الجمال". الجميل بالنسبة للفن الحديث هو ما في المريح، السهل على العين، الباعث على السعادة. بالنسبة للفن الحديث، بصورة عامة يعني، ممكن نقول إنو أي مبنى معماري معقد هو شيء أجمل بكتير من الغابة الهادئة أو الحديقة.

الإقتراض من المستقبل .. جولة غريبة.

في حاجة بسيطة عن الايديولوجيا, صعب تتفهم (زي اي حقيقة بسيطة), لكنها لو اتفهمت بتحل مشاكل كتيرة.

اول شي: شنو هي الايديولوجيا؟