الاثنين، 15 مايو 2017

ربيع النرجسية … خريف الفرد (3-3)

ربيع النرجسية … خريف الفرد (3-3)1

تبدأ الخطوة الأولى لفهم ثلاثية فرويد عبر إستيعاب الجدل في حقيقة أن الإيد و السوبر إيغو هما شيء واحد. السوبر إيغو هو بالفعل قوة أمر خارجي تحرك الإنسان، و لكن بعكس الفكرة البسيطة، فإن هذه القوة هي ليست قوة أمر أخلاقي جيدة، بل هي قوة عشوائية تأمر الإنسان بلا محتوى. هو ليس عاملا يتكون بغرض تحويل الإنسان لمخلوق أخلاقي، هو عامل أمر مبهم موجود أصلا كجزء من "الغريزة" الإنسانية أو الإيد. يمكن ملاحظة ذلك في حقيقة أن أوامر السوبر إيغو هي أوامر لا يمكن إيفاءها، هي أوامر تجعلك تشعر بالذنب أكثر كلما أمتثلت لها. و هي أوامر غير أخلاقية و غير مفسرة بالمحصلة. في الفلم "سنة سعيدة" A Good Year يواجه راسل كرو، و هو يؤدي دور موظف مرموق في إحدى المؤسسات المالية، سؤالا بسيطا حول السبب الذي يجعله يواصل المهنة التي لا تتيح له أي مجال لعيش حياة سعيدة. عندما يقرر أنه سيترك هذه المهنة ليعيش مع حبيبة تعرف عليها في الريف الفرنسي، يذهب كرو لرب العمل الذي يضع نسخة من أحدى لوحات فان جوخ على مكتبه، ليقدم إستقالته، يسأله كرو عن اللوحة الأصلية فيخبره المدير أنه يحتفظ بها في المنزل، فيسأله كرو: متى تجد الوقت لتنظر للوحة الأصلية؟ هذا السؤال يدهش المدير. يستطيع المرء أن يتخيل بسهولة هذا النوع من التساؤل البسيط و هو يحير الكثير من اللاهثين خلف "النجاح" أو "تحقيق الذات" أو "الشهرة" .. إلخ. ما يحرك هذا النشاط اللانهائي هو إلتزام شبه أخلاقي (بمعنى أنه لا تحركه منفعة واضحة، و يؤدي أحيانا لتعاسة الإنسان) قاهر و لكنه غير مفهوم و غير واضح. و يأتي معه دائما شعور بالفراغ الداخلي و إحساس بالذنب (لذلك فإن هذا النمط من الحياة يرافقه دائما تدين "روحاني" مفرغ من أي أخلاق و غرضه توفير راحة نفسية فقط. ممارسات التأمل البوذية أصبحت رائجة هذه الأيام). هذه الحركة يدفعها السوبر إيغو بأوامره اللانهائية. و كما هو واضح فإن هذه الحركة هي حركة غريزية و ليست أخلاقية. أو بصورة أكثر دقة فإنها تشير للأساس الغرائزي للأخلاق الإنسانية نفسها.

و إن كانت الوحدة الجدلية بين السوبر إيغو و الإيد تشير للأساس "الخام" للنفس الإنسانية، فإن الإيغو يمثل المقابل الذي يتشكل عبر تحول الإنسان لمخلوق رمزي، داخل اللغة و التفكير. و لفهم الإيغو فإن علينا أن نفهمه داخل تعقيدات التفكير، و هنا سيكون المثلث اللاكاني مفيدا2.

لشرح الخليط الذي يتكون الإيغو منه، قام لاكان بتقسيم العالم النفسي لثلاث وحدات:

- الخيالي Imaginary: 
هذه الوحدة تمثل قدرة الإنسان على "تخيل نفسه". بصورة عامة فإن الصورة التي يراها الإنسان عن الواقع هي صورة خيالية و ليست حقيقية، على سبيل المثال، إذا جلس أحدهم بجوارك فأنت ستستثني تلقائيا من صورته حقيقة أنه توجد في داخله و تخرج منه سوائل مقرفة (هذا بشكل أساسي، في الواقع فإننا نستثني و نضيف أشياء كثيرة جدا تصل للعرق و الطبقة، و أحيانا فإننا نضيف على الشخص جمالا و ذكاءا هما غير موجودين، فقط لأننا نحبه)، هذه الصورة هي صورة خيالية. و تماما مثل هذه الصورة فإننا نخلق صورتنا عن أنفسنا. و لذلك فإن للإيغو دائما أساسا خياليا.

- الرمزي Symbolic:
هذا الفضاء، و كما شرحنا سابقا، هو فضاء اللغة و المعنى الذي يتكون نتيجة الإتصال مع الآخرين. و عبر تكون هذا الفضاء فإن الإيغو (الإنسان) ينفصل عن نفسه. بدخول الإنسان في فضاء المعنى فإنه يتحول تلقائيا لمخلوق يوجد جزء منه خارج ذاته المباشرة. و كأن الإنسان يصنع فضاء المعنى في البداية عبر قدرته على التفكير ثم يبدأ فضاء المعنى بالتفكير بالنيابة عنه. إذا تشكل واقع المعنى بالنسبة لك على قاعدة أن السرقة هي أمر سيء، فإنك حال إرتكابك لفعل السرقة ستشعر بالذنب، حتى و إن كانت هذه السرقة مفيدة بالنسبة لك. شيء ما فيك سيكون موجودا هناك في فضاء المعنى و سيجعلك تشعر بالذنب. يختبر البشر هذا الإنفصال في داخلهم في تجربة تحدث المرأ مع نفسه، مع ضميره (يجب عدم الخلط بين الضمير كشعور و كصواب.. الجزء الرمزي في الضمير هو الجزء المنطقي البارد، أما الشعور فهو ينتمي للخيالي. أنت تستطيع أن تستعمل مشاعرك لخداع نفسك، لكن المنطق و الصواب هو موجود في الخارج دائما، إن لم نقل كحقيقة فعلى الأقل فهو موجود في "موقع" الحقيقة، و هو الفضاء الرمزي).

- الحقيقي The Real: 
يعرف لاكان الحقيقي بأنه ذلك الذي لا يمكن إحتواءه داخل فضاء المعنى. يمكن بسهولة ملاحظة العلاقة بين هذا التعريف و الفكرة الكانطية المعروفة و القائلة بأنه هنالك دائما "شيء في ذاته" يبقى دائما خارج قدرة الإنسان على الإدراك. هنا يمكننا القول أن السوبر إيغو كأمر أخلاقي غريزي هو جزء من "الحقيقي" كما هو واضح و ليس جزءا من "الرمزي" كما هو شائع.

كيف يدخل الإنسان بشكل كامل في فضاء المعنى؟ الإجابة المفصلة على هذا السؤال تتطلب حديثا طويلا عن مرحلة الطفولة و دور القانون الذي يمثله "الأب" في تكون الفكرة الأساسية لدى الطفل بأن هنالك فضاء يحكم الجميع، بما فيه الأم و الأب، و بالتالي فإن الطفل لا يختبر القانون كشيء قاهر بل كشيء محرر، القانون هو مرجعية تحكم حتى السلطة "الأب/الأم" نفسها3. لكن و لغرض التبسيط فإنه يمكن القول بصورة عامة أن ما يقوم به الفضاء الرمزي هو توفير الأساس الخارجي الضروري لتكون الهوية، الأساس الذي يجعل للإنسان قدرة السيطرة على الغريزة، إن كان في شكلها "الإيد" أو في شكلها "السوبر إيغو". و عبر الفضاء الرمزي فإن الإنسان يتحرر من هذه الغرائز عبر قدرته على التفكير. هنا يمكننا أن نشير للحكمة القديمة بأن "الكتب" و "القراءة" تحرر الإنسان. أن هنالك "تنوير" ما يأتي مع التفكير. القانون الغرائزي يتحول عبر الدخول في الفضاء الرمزي "لقانون داخلي" (بدلا عن السعي اللانهائي عن شيء مبهم (كالسعادة/النجاح) السعي الذي ينقلب لضده غالبا، يصنع الإنسان قانونه الخاص عبر فضاء المعنى (هدف حياتي هو في تحقق هذا المشروع السياسي.. أو لو أخذنا مثال أينشتاين .. في حل هذه المعضلة الفيزيائية.. إلخ).

و بهذا يمكننا أن نعطي النرجسية تعريفا: هي حالة عدم نضج سببها غياب القدرة لدى الإنسان على تقبل أنه كائن موجود داخل فضاء معنى.

و بهذه الإشارة للفضاء الرمزي يمكننا أن نفهم النرجسية خارج تناقض الإيغو المتضخم الضعيف. سبب إبتلاع النرجسي لكل الأشياء في الخارج هو أنه يدرك الأشياء كلها داخل الفضاء الخيالي، لذلك فهو بالفعل إنسان لا يرى أي شيء إلا عبر مخيلته، و سبب عدم قدرة النرجسي على التواصل و الإرتباط الأصيل مع الآخرين هو أن هذا التواصل هو تواصل رمزي بالتعريف، و النرجسي لا يؤمن بهذا النوع من التواصل. يمكننا أن نفسر العديد من الأشياء و لكنني سأكتفي بهذه الإشارة البسيطة: سبب عدم قدرة النرجسي على الحزن هو أن الحزن طقس رمزي بالتعريف، تذكر مثلا أن الواحد منا يقدر فقط على تجاوز صدمة الفقد و التحول للحزن عندما يقوم بحركة رمزية تجعله يضع الفقد في مكان معين داخل الفضاء الرمزي، كأن يذهب لقبر الميت و يضع باقة من الزهور، هذه الباقة ليس لها أي تفسير عملي، كل ما تقوم به هو الإشارة رمزيا لفكرة أن الآخر قد رحل و أننا قبلنا هذا الرحيل، بعد وضع الباقة على القبر سيكون بمقدور الشخص أن يبكي منفسا عن نفسه. مثل هذه الطقوس الرمزية هي طقوس غريبة على الشخص النرجسي، و سيسخر منها في الغالب بتهكميته المعروفة.

أخيرا يمكننا الإشارة لعبارة لاكان "في المجتمع الحديث فإن الفرد العادي هو فرد مختل عقليا" و أخذها بكامل الجدية. يعرف لاكان الذهان Psychosis على أنه غياب القدرة على الدخول في الفضاء الرمزي. ما يميز الفرد المختل عقليا عنا هو أنه يتحرك في فضاء رمزي مختلف. لذلك فهو لا يفهم لغتنا. النرجسي أيضا، بمعنى من المعاني، هو شخص مختل عقليا، لأنه لا يستطيع أن يفهم أن اللغة و الرموز هي أمور جدية. دائما كانت تحيرني الكيفية التي يستطيع بها بعض الناس تجاهل الحقائق و تكوين سرديات بدائية بليدة و التمسك بها، تشعر في بعض الأحيان بالحيرة و أنت تتحدث مع أحدهم و هو يرفض القواعد البسيطة للمنطق فقط لأنه "يريد" ذلك. في المجتمعات الحديثة فإن هذا النوع من "الجنون" هو أمر عادي، ما تريده الذات النرجسية من حقائق ستحصل عليه (يمكن هنا أن نلاحظ أن هنالك عودة عامة "للحوار" و لكن ليس على أساس المنطق الذي هو أمر عام و عادل.. بل على أساس القوة.. أصحاب القوة أصبحوا يشكلون الحقائق و ينشرونها، ردة الفعل على ذلك جاءت في شكل خطاب شبيه و هو الخطاب الشعبوي: حير أنصار ترمب الجميع بسردياتهم الغريبة التي يعرفون هم أنفسهم أنها بلا أي قيمة و لكنهم يصرون عليها في نفس الوقت.. في هذا الإطار فإن الصراع هو بين القوة (الإعلام، الخطاب الجامعي الليبرالي المعتدل.. إلخ) و بين الرغبة الشعبوية المجردة.. و قمة النفاق هو في إدعاء خطاب القوة أنه خطاب عقلاني).

و أعتقد أنه لا داعي للقول أن هذا النمط من الذاتية هو نمط غير فردي بإمتياز، الفردانية الحقيقية، كما هو واضح، تبدأ من إلتزام رمزي. مثلا، يعرف آلان باديو "الذات"، بأنها نتاج إلتزام تجاه "حقيقة" ما. و هو يعرف الحقيقة على أنها ذلك الشيء الذي يمكن أضافته للواقع، هو شيء حقيقي و غير واقعي لأنه في نفس الوقت ليس جزءا من الواقع و لكن يمكن إضافته للواقع، التغير السياسي الجذري مثلا، أو الإنتاج الفني، أو الإكتشاف العلمي، أو الحب (هذه الأمور لا توجد إلا عبر إلتزام الذات بخلقها من العدم). يمكن القول أن هذه الحقائق هي حقائق رمزية، و بالتالي فهي حقائق خارج مجال البحث النرجسي، و أصبحت بالتالي أمورا رومانسية تركها الفرد الحديث العملي الذي يبحث عن المال فقط.

ما هي التبعات السياسية العملية لمثل هذه القراءة للشخصية الحديثة؟ أعتقد أن الأمر واضح، على الحركة السياسية الجذرية أن تبدأ من نقطة التمسك بفضاء المعنى. المشكلة في العزلة التي يشتكي منها اليساريون هي ليست في العزلة بل في أنهم يشتكون منها. العزلة داخل فضاء المعنى، داخل الحقيقة (مثلا الحقيقة هي أن الصراع الاجتماعي هو صراع مادي طبقي) هي عزلة يجب الحفاظ عليها. لأنها هي الطريق الوحيد نحو تحويل الحركة الجذرية لحركة شعبية لها قبول. من دون تحول الحركة الجذرية لحركة رمزية تستعمل فضاء المعنى (الثقافة و الأخلاق و النقاش العلمي و الحقائق) بجدية، فإن هذه الحركة ستتحطم داخليا و بصورة مستمرة عبر المشاكسات النرجسية بين أعضاءها (تتماسك بقية الحركات إما بالمصالح المباشرة أو بتدين أصولي أو بوجود نزعات عنصرية أو شعبوية بدائية. هذه الأمور غير متوفرة في الحركة اليسارية الجذرية). من دون هذا التمسك فإنها ستبقى معزولة عن الناس رغم تخليها عن كل أسباب عزلتها (اليوم هنالك يسار غير يساري، تخلى عن كل أسباب كونه يسارا "بداية بالتخلي عن أسمائه و رموزه"، و لكنه معزول عن الناس أيضا!).

الأمر الآخر الذي علينا ملاحظته هو أنه في عالم اليوم النرجسي فإن الحقيقة نفسها لها موقع "بروليتاري". إن عرفنا البروليتاريا على أنها الجزء الذي ليس له مكان في المجتمع؛ فالمثقف الحقيقي هو بالتعريف فرد بروليتاري، لأنه في موقع عداوة مع النظام فقط لأنه يريد أن يتحدث الحقيقة. هذا النوع من التحالف مع الطبقات القاعدية، التحالف الذي لا يبنى على تنازل المثقف عن منتجه الثقافي بل على تمسكه المضاعف به، هو فن غائب هذه الأيام.

بدلا عن محاولة بناء "الحزب" في داخل الشعب (بالمعنى الشعبوي النضالي البسيط الرائج)، المحاولة التي ستنتهي دائما بالفشل و التذمر من عدم قبول الناس لنا، علينا أن نبني الحزب أولا داخل فضاء المعنى، و أن نصنع ثانيا الكوادر الملتزمة بهذا الفضاء، مهما كان عددها قليلا. هذا هو الدرس الأساسي من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، إنهار عندما إعتقد أن السياسة يمكن أن تدار حسب النزعات الآنية للسياسيين ضحلي الفكر. بلا ثقافة و لا مثقفين4. 
____________
تم نشر المقال في صحيفة الأخبار اللبنانية 

1- أعتمد في هذا المقال بشكل كامل على ورقة كتبها سلافوي جيجاك عام 1986 بعنوان "النرجسي المرضي، شكل الذاتية المطلوبة إجتماعيا"، المقال متوفر على هذا الرابطhttp://m3.manifesta.org/catalogue5.htm
2- لشرح مفصّل للمثلث اللاكاني يمكن مشاهدة محاضرة سلافوي جيجك The Reality of the Virtual، وهي متوافرة على موقع يوتيوب.
3- يمكن العودة إلى ورقة جيجك الآنفة الذكر.
4- راجع رسالة عبدالله علي إبراهيم إلى المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني، والمعنونة «المثقف والحزب»، على موقع سودانايل الإلكتروني.

الجمعة، 14 أبريل 2017

ربيع النرجسية .. خريف الفرد (2-3)

ربيع النرجسية .. خريف الفرد (2-3)1

هنالك قراءتان خاطئتان للشحصية النرجسية. الأولى هي قراءة شعبية رائجة و الأخرى تنتمي لما يمكن تسميته مجازا "علم النفس الأمريكي أو البراغماتي". تقول القراءة الشعبية بأن الشخص النرجسي هو شخص معتز بنفسه يحتقر الآخرين، هو شخص مغرم بصورة مرضية بنفسه، شخص مثل "كريستيانو رونالدو" أو "كايني ويست" كما هو رائج. هذه القراءة الشعبية لها جوهر حقيقة، و لكنها كذلك تجعلنا ننظر للشخص النرجسي بإعتباره خروجاً عن القاعدة، و تهمل حقيقة أن الشحصية النرجسية هي شحصية "عادية" هذه الأيام، إن لم تكن القاعدة. و رغم أن هذه الصفات النمطية هي صفات يمكن فهم إرتباطها بالنرجسية، إلا أن الحقيقة هي أن الشخص النرجسي لا يحتاج بالضرورة للظهور بهذا الشكل النمطي، بل يمكنه أن يكون شخصا مبالغا في التواضع و لطيفا جدا في معاملة الآخرين. على سبيل المثال يجب على السياسي الناجح في عالم اليوم الذي تسيطر عليه ديمقراطية شكلية يحركها الإعلام، يجب عليه أن يكون شخصا محبوبا و متواضعا، و لكن يجب عليه في نفس الوقت أن يحتفظ بمسافة بينه و بين الناس، أن يعاملهم "كناخبين" فقط، و بالتالي أن تكون العلاقة التي تجمعه بهم هي علاقة إستغلال و خداع. الزعيم الذي يحبه الناس ليس لانه "لبق" و "بياع كلام" بل لأنه مرتبط مع الناس بشكل عضوي عبر شبكة مصالح هو "صادق" في سعيه لتحقيقها، مثل "غاندي" أو "تشي جيفارا" إختفى هذه الأيام، و حل محله الزعيم النرجسي المحبوب إعلاميا (أوباما و هو إبن النظام الوفي محبوب أكثر من بيرني ساندرز الذي يسعى فعلا لتحقيق مصالح مادية مباشرة للناس).

أما بالنسبة لعلم النفس الأمريكي، فإن المشكلة تكمن في أن هذه المدرسة بدأت منذ البداية كمدرسة "ممتثلة". ما يهم علم النفس الأمريكي هو "الفعالية" و "الأداء"، و على هذه الأسس يتم تعريف الحالة النفسية المثالية بأنها الحالة التي تجعل الإنسان يؤدي دوره الإجتماعي بصورة جيدة. ثلاثية فرويد (الإيغو ، السوبر إيغو ، و الإيد) تم تفسيرها بالشكل المبسط التالي: الإنسان منفصل بين هذه الثلاثية، فهو من جانب خاضع لضغط غرائزه البدائية (الإيد) و من جانب خاضع لضغط الصورة القانونية المثالية (السوبر إيغو).. و بين الإثنين يقف الإيغو كعامل معادل يمنح الإنسان هوية متزنة. مثلا.. يريد الرجل أن يعامل المرأة بصورة غرائزية و لكن تمنعه الصورة المثالية فينتج عن ذلك إيغو يحاول أن يحب المرأة و أن يكتب لها شعرا ..إلخ. الإيغو إذن هو العامل النفسي الجيد، الجانب الذي على العلاج النفسي تقويته بحيث يصبح قادرا على أداء مهامه بكفاءة. من هنا جاءت التسمية: علم النفس المتوجه بالإيغو Ego Oriented Psychology. و بهذا الشكل تم تقسيم الأمراض النفسية لنوعين الذهان Psychosis و هو الحالة التي تعرف بعدم قدرة الإنسان على أداء وظائفه الإجتماعية و بفقد إتصاله بالوقع (حالة جنون) و العصاب Neurosis الذي يعرف بضعف الإيغو و عدم قدرته على أداء وظيفته التوفيقية، و ينتح عن هذه الحالة إما هوس أو هيستيريا (في الحالتين يعود السوبر إيغو للظهور بصورة مبالغ فيها إذ لا يستطيع الإنسان التصالح معه). من هذا التقسيم جاءت في الأربعينات نظرية (الأشخاص في المنتصف) Borderline و ذلك لأن حالات عديدة لم يكن بالإمكان تصنيفها لا في خانة العصاب و لا في خانة الذهان. و إحدى هذه التشخيصات كان "النرجسية المرضية".

من جانب فإن النرجسي يظهر أعراض عصابية، كشعوره الدائم بالقلق بلا سبب، و إهتمامه الهوسي بآراء الآخرين عنه و عدم قدرته على تحمل أقل قدر من الفشل الاجتماعي (يقابل أقل فشل بإكتئاب حاد). و من جانب آخر فإن النرجسي يظهر أعراض ذهانية خفيفة، كعدم قدرته على قبول الواقع، و تورطه في مشاعر طفولية غير مفسرة منطقيا، ككراهية أشخاص قريبين له بناءا على تفسيرات إرتيابية لتصرفاتهم البسيطة (إبتسامة أحدهم ستفسر على أنها سخرية من الشخص مثلا). هذه الإعراض المتناقضة، من وجهة نظر علم النفس الأمريكي، جعلت النرجسية المرضية إحدى تشخيصات ال Borderline. الآن دعونا نقدم توضيحا "فينومينولوجيا/ظاهريا" للشخصية النرجسية كما جاء في ورقة سلافوي جيجاك: 
- النرجسي شخص ناجح، و متفوق أحيانا، متوائم بصورة مثالية داخل المجتمع. و لكن هذا التواجد المثالي يعتمد على تناقض غريب: النرجسي يعامل الآخرين كمجرد دمى، يستغلهم، هم موجودون في الخارج فقط كأشياء يمكن الإستفادة منها. و لكن مع ذلك فالنرجسي يهتم جدا لآراء الآخرين، في الحقيقة فإن كل النجاح الذي يسعى له النرجسي هدفه هو السمعة التي سيحظى بها بين الآخرين. و لذلك فإن أقل فشل إجتماعي هو كارثة حقيقية. النرجسي "سيد" و لكنه سيد أسير لعبيده. هذا التناقض الأساسي بين النرجسي و "الآخر" يؤدي لعدة تبعات: أولا، لا يحمل النرجسي أي قدرة على "التعاطف"، على إختبار مشاعر الآخرين كأشياء حقيقية، و لا على إدراك الآخرين كأشياء لها عمق لا يمكنه الوصول له، كشحصيات في الخارج. و هذا يجعله يقسم الناس بصورة سطحية إلى ثلاثة أقسام: الآخر المثالي، ذلك الذي يريد النرجسي أن يحصل منه على الإعجاب. الآخر العدو، أولئك الذين "يحسدون" النرجسي و يشكلون خطرا على صورته و سمعته. و "البقية"، مجموعة الدمى التي لا يبالي النرجسي بوجودها، الأشخاص الفاشلون العاديون الذين ليس لهم أي فائدة عندما يتعلق الأمر بصورة النرجسي عن نفسه. و حتى عندما يتعلق الأمر بعلاقة النرجسي بالآخر المثالي، فإن هذه العلاقة ليس لها أي عمق، يمكن لهذا الآخر المثالي أن يسقط إلى خانة "البقية" بسهولة في أي لحظة يفقد فيها قيمته بالنسبة للنرجسي. كل أنواع البشر إذن هي بالنسبة للنرجسي أدوات يجب إستعمالها بلا أي تورع. لذلك يظهر النرجسي للآخرين كشخص "أناني" و "بارد" و متهكم Cynical. 
و إن أخفى ذلك خلف قناع من اللطافة و حسن المعاملة التي تهدف فقط لخداع الآخرين.

- لا يستطيع النرجسي، كما هو واضح، أن يكون إرتباطا عميقا بالآخرين. إرتباطا يجعله "يثق" فيهم و "يعتمد" عليهم، و أن "يتلزم" تجاههم. هو يعتمد على الآخرين لكن فقط كملاحظين و معجبين بنجاحه. هو يعتمد على "إعترافهم" به. و لكن هذا الإعتماد هو إعتماد مختلف عن إعتماد الواحد منا على الآخرين كأشخاص يوفرون لنا التعاطف و الفهم و الوفاء. النرجسي يسعى "للإسفادة" من الآخر، و حتى عندما يحترم الآخر فإنه يحترمه لأسباب نرجسية ذاتية بحتة. هذا الغياب للعلاقة الحقيقية مع الآخرين يجعل النرجسي متوجسا بشكل دائم منهم. هو يخاف من أن يفتح قلبه لهم و أن يرتبط بهم "أكثر من اللازم". و يظهر ذلك أكثر ما يظهر في العلاقات الغرامية التي يفضلها النرجسي: العلاقات القصيرة الباردة التي لا تجبره على الإلتزام الشاق تجاه الآخرين و تمنحه مساحته "حتى يتنفس".

- يحترم النرجسي القوانين، و لكنه يحترمها على أنها "جزء من اللعبة" و لا يأحذها بجدية. النرجسي ممتثل، يرى في مقاومة القوانين الإجتماعية غباءا، و في الإمتثال لها ذكاءا و "فهلوة". عليك أن تكون ذكيا و "تمشي أمورك". و هو يرى أن الجميع يفعلون نفس الشيء: خلف أقنعة الإمتثال للقوانين الإجتماعية فإن الكل يخفي شخصه الحقيقي و يشارك في "اللعبة" حتى يصل لأهدافه فقط. جميع الناس يحاولون خداع بعضهم البعض، و لذلك عليك أن تكون ذكيا و أن تخدعهم أنت في البداية. عليك أن تكون ذكيا أيضا و أن تعرف كيف "تتأقلم" بلا أي حدود أخلاقية. القانون، الأخلاق و المثل كلها بالنسبة للنرجسي ليست أكثر من مجرد لعبة، و لكنها مع ذلك لعبة يجب الإلتزام بها، كما هي بلا تغيير، حتى يتمكن الواحد منا من النجاح.

- ليس للنرجسي قدرة على الحزن، بمعنى أنه يواجه الفقد و الفشل بغضب عارم، و ليس له قدرة على تقبلهما عبر الحزن. الخسارة بالنسبة للنرجسي إهانة، و لذلك فهي غير مقبولة. 
- أخيرا. و ذلك يعود بنا للبداية. فإنه ليس للنرجسي قدرة أصيلة على "الإستمتاع". النرجسي يستمتع فقط عندما يعرف الآخرون أنه سعيد. و يظهر ذلك في التناقض الغريب، حيث يبحث النرجسي عن النجاح ليس لأجل الفائدة التي سيجلبها ذلك النجاح (إستعمال المال للسفر و الترفيه .. إلخ) بل لأجل الإعجاب الذي سيظهره الآخرون. و بذلك يصبح النجاح هدفا بذاته. غياب القدرة على الإستمتاع الفردي (و الرغبة الأصيلة) يجعل النرجسي يشعر بأنه "فارغ من الداخل" أو أنه "فاقد للهوية.. نفسه غريبة عليه". و هذا الشعور يدفعه للتحرك بلا توقف بحثا عن "شيء ما". ألا تعتمد كتب التنمية البشرية على هذا الشعور الأساسي بالفراغ و تحاول أن تملأه بالسؤال الخاطيء، و الإجابة على ذلك السؤال؟ "كيف تجذب الآخرين و تصنع أصدقاءا؟" هذا السؤال مثلا هو في حد ذاته إجابة على سؤال آخر: لماذا أشعر بأنني فارغ من الداخل؟ الإجابة: لأنك لا تستطيع حذب الآخرين و لانه ليس لك أصدقاء، و دعنا نخبرك كيف تفعل ذلك. دائما كان يحيرني مقدار الشعور بالذنب الذي تصنعه هذه الكتب لدى الشاب المسكين الذي يقرأها. (هذه السخافات ما زالت في طور طفولتها و ستكبر مع مرور الأيام، حاليا هنالك شيء يدعى "مدرب الحياة" هو شخص تستأجره ليلعب دور كتب التنمية البشرية و لكن مع إضافة إنسانية تظهر في شكل حكمة فردية سخيفة، هذا الشخص سيعطيك نصائح بإستمرار عن كيفية التغلب على القلق و الشعور بالسعداة و الحصول على النجاح).

يعلق جيجاك على هذا الوصف بملاحظة أنه فعلا وصف "كلاسيكي"، وصف للشخص الأمريكي العادي مثلما تظهره السينما و الفنون الرائجة مثلا. و لكن هذا لا يقلل من قيمة الحقيقة في هذا الوصف، فهذه الفنون هي إنعكاس للواقع الإجتماعي في النهاية.

أمام هذا الوصف يعطينا علم النفس الأمريكي تفسيرا غريبا للحالة النرجسية: هي خليط من "تضخم الأيغو" و "ضعفه". للنرجسي إيغو ضعيف مريض (مثلا، النرجسي غير واثق من نفسه فعلا)، لا يستطيع أن يجعله يتعامل بصورة متزنة مع الآخرين، و هذه المشكلة يحلها النرجسي عبر إبتلاعه لكل ما هو في الخارج و التعامل معه على أنه جزء من ذاته. الإيغو المتضخم يظهر في حقيقة أن النرجسي يدرك الآخرين كمجرد إمتداد له، هم موجودون لخدمته و لمنحه السعادة إلخ. و حتى القوانين و المثل فهي موجودة حتى يتلاعب هو بها فقط. الحبيبة و الصديق و الرمز و كل آخر هو مجرد إمتداد للإيغو المتضخم النرجسي، و ليس هنالك أي شيء في الخارج فعلا (هنا تصدق مقولة أن النرجسي متمحور حول ذاته). و العلاج في هذه الحالة هو في "إصلاح الإيغو": أن يقبل الأنسان نفسه و يحبها بحيث لا يكون له حوجة لإستعمال الآخرين.. إلخ. هذا التصور غير الجدلي للهوية الإنسانية، الذي يميز علم النفس الأمريكي، لا يفتح أي مجال لتخيل "الفضاء الرمزي" كحقيقة سببها غربة الإنسان الجذرية الأساسية عن نفسه منذ البداية. و بالتالي فإنه حتى نتجاوز هذا المأزق الفرداني (الحل هو في أن تحب نفسك و تتصالح معها.. إلخ) فعلينا أن نعود لثلاثية فرويد (الإيغو، السوبر أيغو و الأيد) و لكن عبر القراءة الجدلية التي قدمها جاك لاكان.

(تم نشر المقال في الأخبار اللبنانية) 
____________

1- أعتمد في هذا المقال بشكل كامل على ورقة كتبها سلافوي جيجاك عام 1986 بعنوان "النرجسي المرضي، شكل الذاتية المطلوبة إجتماعيا"، المقال متوفر على العنوان 

الثلاثاء، 11 أبريل 2017

ربيع النرجسية … خريف الفرد (1-3)1

ربيع النرجسية … خريف الفرد (1-3)1
ما الذي يمكن أن يقدمه علم النفس للنظرية السياسية الإجتماعية؟ دعونا نبدأ بالقول بأنه، من وجهة نظرية علم النفس التي أقتنع بها على الأقل، ليس هنالك حد فاصل بين الفرد و الآخر. ليس هنالك عالم نفس فردي خالص خارج المجتمع، و لذلك فإن علم النفس هو بالأساس علم إجتماعي. هذه النظرة لا تروق للأيديولوجيا المهيمنة، لأن الأيديولوجيا الليبرالية الحالية تتحدث دائما عن "الفرد" و "الفردانية" بوصفها عوالم مفصولة عن الكل الإجتماعي، أنت تصبح فردا، من وجهة النظر الليبرالية، عندما تنغمس في الإهتمام بأمورك الخاصة و عندما "لا تبالي" بما يجري في الخارج. حتى الحرية يتم تعريفها بإعتبارها حرية فردية، أما حرية التغييرات الجماعية الكبرى فهي مجرد تطرف لا داعي له. علم النفس المتماشي مع هذه النظرة يعالج الأفراد بوصفهم عبارة عن عوامل داخلية لا نهائية يجب الوصول لحل لتعقيداتها حتى يشعر الفرد بالسعادة: عليك أن "تعرف نفسك جيدا"، عليك أن "تحقق ذاتك" ..إلخ. ضد هذه النظرة يعتمد علم النفس اللاكاني (و علم النفس الفرويدي قبل التشويهات المتأخرة) على الفكرة الأساسية القائلة بأن الفرد يتشكل أصلا عبر دخوله في فضاء معنى، و هذا الفضاء يتكون أساسا عبر حادثة إلتقاء الفرد "بالآخر". المقولة "الإنسان مخلوق إجتماعي" تؤخذ هنا بجدية. في هذا الإطار فإن العلاج النفسي هو بالأساس خروج إلى الخارج: (عليك أن تحتقر مشاعرك و عالمك الداخلي .. لأن كل ما يهم هو "القضية" .. "الحب" ..إلخ.. أو بصورة عامة، كل ما يهم هو ذلك الآخر الجذري الذي هو الرغبة الأصيلة) و لذلك لا مكان في هذا الإطار للحديث عن حصر علم النفس داخل العيادة2.

الخميس، 23 فبراير 2017

السينما كلغة .. لا لا لاند نموذجا

ما هو الجديد في السينما؟ الإجابة بالتأكيد ليست الصور، فالصور هي جزء من المخيلة الإنسانية التي حركت الآداب الأقدم كالرواية، والشعر. تحوُّل خيال الفنان إلى صور حية هو مكون أساسي في السينما ولكنه ليس جزءاً جديداً، وفي هذا المجال يمكن للسينما أن تهزم بسهولة أمام أعمال روائية عديدة.

على سبيل المثال، من المستحيل للسينما أن تنتج الصور الموجودة في رواية كـ «مئة عام من العزلة». الجديد في السينما هو العكس: قدرتها على تحويل الصورة إلى لغة، تحويل الصورة إلى معانٍ تستحيل كتابتها.

الخميس، 16 فبراير 2017

إمتياز الوجود في الهامش: التقدميون و المجتمع

ماذا إن كانت الفكرة التي يمثلها "داعش" ــ وكل الأصولية الدينية ــ هي تنويعة جديدة على خط عبارة روزا لوكسمبورغ المعروفة: «يقف المجتمع البرجوازي على مفترق طرق: إما أن يتحول إلى الاشتراكية (تقرأ في عالم اليوم المؤدلج «العدالة الاجتماعية») أو أن ينحسر نحو الفوضى»؟
تعرّض مجتمع الطبقة الميسورة في الخرطوم لهزة عنيفة، في العام الماضي، عندما قرّر عدد غير صغير من طلاب أفضل جامعة خاصة التخلي عن مستقبلهم الباهر، والرحيل إلى العراق وسوريا للانضمام إلى "داعش".

كيف تُهْزَم الأيديولوجيا؟

نحن ــ كشعوب أو كطبقة من الكادحين المظلومين إن شئت ــ نمثّل التبدي الاجتماعي للّاشيء. ليس لنا أحزاب تمثّلنا، ولا مؤسسات اجتماعية تنظّمنا، ولا خطاب مستنير يحركنا، وبطبيعة الحال ليس لنا «مشروع» يمنحنا اسماً ومستقبلاً. نحن لا شيء. ولذلك فإننا نتحول لمواضيع للقمع والتهجير والمذابح وغيرها بسهولة.
حالة الضعف هذه تجعلنا، كمثقفين شباب، أمام خيارين: إما أن نسعى لإعادة إنشاء كل شيء من البداية، أو أن ننخرط في «اللعبة» كما هي. الخيار هنا ليس بين «البراغماتية»، الواقعية والذكاء السياسي، والثورية. لأن خسارة المعارك قبل أن تبدأ ليس ذكاءً ولا واقعية. الخيار هو بين البقاء في القاع والتقدّم.
 
وما أن نختار طريق بناء مستقبلنا من البداية، حتى نجد أن أمامنا أيديولوجيا صلبة تنتمي إلى الواقع الراهن وتحافظ عليه. هذه الأيديولوجيا يجب تفكيكها تماماً، وعلى أنقاضها فقط يمكن بناء خطاب تقدمي يجعل الحراك السياسي الجذري ممكناً. وهذه العملية التي يمككنا أن نسميها «نقد الأيديولوجيا» ليست من ترف الفكر والتنظير، هي خطوة أساسية يجب أن تتم بكامل الجذرية والحسم. وسأحاول في هذا المقال أن أستعمل كلمة «العَلمانية» كمثال للأثر الذي يمكن أن تلعبه الأيديولوجيا في المجتمع، بحيث تقوّض الخطاب التقدمي قبل أن يبدأ. وسأحاول أن أشرح عبر هذا المثال الضرر الجسيم الذي يحدث حال محاولتنا تفادي المواجهة مع لا عقلانية الأيديولوجيا الحالية. لكن علينا أيضاً أن نتذكّر دائماً أن خوض المعارك الأيديولوجية ليس فعلاً بطولياً أحمق، ولا معركة جانبية لا قيمة لها وستنتهي في الغالب بالخسارة، بالعكس، الخسارة هي النتيجة الحتميّة لكل محاولات الهروب من التأسيس الذي يبدأ بعقول الناس ووجدانهم. أنت لن تستطيع أن تغيّر ما بقوم حتى تغيّر ما بأنفسهم.

الاثنين، 13 فبراير 2017

ما هي الحداثة؟

ينشط في منطقتنا تياران معاديان للحداثة. تيار الأصولية الدينية الذي لا يرى في الحداثة إلا تهديداً لكل أسباب وجوده، وهو محق في ذلك، وتيار الحداثة البديلة الذي يرى أنه لا توجد، بالفعل، حداثة واحدة، بل حداثات، وإن ما يطلق عليه الحداثة، تعريفاً بالألف واللام، ليس سوى تجسداً للمركزية الأوروبية، وهي ليست إلا حداثة غربية، يدفعها الغرور كي ترى نفسها على أنها الحداثة الوحيدة. وقد استهلك هذا التيار القوة التحررية في داخل مدرسة (ما بعد الاستعمار) وجعلها كالأصولية الدينية، تتحول إلى رد فعل دفاعي، يهدف للبحث عن "الأصول" والفرادة الحضارية، ويرفض الكوني، العالمي، والمطلق Universal. 

لا نحتاج أن نطرح مشروع الحداثةعلى الساحة بصفته الضد لهذه التوجهات فقط، بل علينا، كذلك، أن نعرِّفه، وأن نخلق في داخله مستقبلاً خاصاً، لا يهتم لهذه الحلقات، لأنه يتحرك في مجال أعلى منها. أن نقحمه بصفته الجذرية الكونية في معادلة القوة العالمية، وأن نستعيد قوة التحرر في داخله، قوة التحرر التي تحركها الرغبة في الحياة، ولكنها تحمل في داخلها، بالضرورة، استعداداً للموت. 

هل رأى غوستاف مالر الله من جديد؟

في نهاية الحركة الرابعة من سيمفونيته الخامسة، المقطع الأشهر و الأكثر رواجا لمالر، يظهر الدافع الموسيقي في هيئة رجل يقف على أرض منبسطة بيضاء، و بينما كان هو قد فقد كل إتصال مع "الآخر"، تخرج الشمس، لطيفة في البداية، نورها بارد ينزل على الجلد، مثل عودة شيء كان قد ضاع، ثم بعد ذلك كشيء صارخ، طاغ، و لكنه محبب. مالر، الذي كان في سيمفونيات سابقة يركز على الموت الجنائزي و يتذمر منه، عاد هذه المرة و معه الشمس.

في رسالة تركتها، ألما زوجته، توجد قصيدة مقتضبة كتبها مالر لها:

كم أحبك، أيتها الشمس، التي لي

لا يمكنني أن أخبرك ذلك عبر الكلمات.

أستطيع فقط 

أن أبعث لك كرثاء توقي و إشتياقي لك 

و حبي، و كل النعم.

الرسالة التي تبدو و كأنها إجابة على جزع شوبان من أن يدفن. إن كان مالر يستطيع أن يخاطب زوجته، برسالة حب يقدمها كمرثية لنفسه التي ماتت، فإن بإمكانه ألا يقلق مثل شوبان من أنه سيكون حيا بعد أن يدفن. هو يعرف أنه سيكون حي مثلما هو حي الآن. أما الحب، الذي هو الشمس، فهو ذلك الإطمئنان، الثقيل، الذي سوف يظهر بعد الموت، مثلما هو موجود قبل الموت، و هو الأبدية. شوبان لم يفهم أن الحياة التي سوف تأتي بعد الموت هي حياة يمكننا أن نشعر بها من الآن، أن نرى أنها نتاج دخولنا في فضاء المعنى، تحولنا إلى جزء من معنى، لا يموت، و أن نطمئن إلى أنها مثل شمس الحب، هي إكتشاف لأبدية نتجت من وجودنا الحالي.

كل ذلك سيجعل مقدمة "غناء العزلة ضد العزلة"، التي نعبر خلالها عادة كأنها مجرد تشوش جميل، سيجعلها واضحة جدا:

الإبداع كسلاح ثوري... أو لماذا يجب علينا أن نتخلى عن شعار إسقاط النظام؟

سيكون علينا أن نعيد إكتشاف التعقيد. كلما هجم علينا الواقع، و ممثلوا الواقع، بدغمائيتهم البسيطة: "يجب أن ندافع (فورا) عن المظلومين"، "يجب أن نتبرع أو نتصدق للفقراء (فورا)"، "أنت لا يمكنك أن تقف أمام كل هذا بلا حراك!" إلخ. علينا حينها، و تحديدا لكي نحافظ على درجة من الدفء الثوري في قلوبنا، علينا أن نظهر أقسى درجات البرود: "عفوا، و لكنني سأفضل أن لا أفعل أي شيء، دعوني، لو سمحتم، أفكر قليلا...". في هذا المستوى فإن المعركة هي على الأسس، سيكون من السهل بالنسبة لهؤلاء أن يتهموك بقلة الثورية، أما نحن فنسمارس كل العنف و في صمت: سنقوم بتدمير الأسس التي تجعل من أمثال هؤلاء... ثوريين. 

المريض الإنجليزي The English Patient: الحب و الذات

لا بأس من بعض الذاتية: تظهر على جانبي من النافذة شجرة كبيرة جدا، و الصباح المعطر بالرطوبة هنا في الضاحية الصغيرة البعيدة يكاد ينطق فرحا. ما هو مصير هذه الأبيات في "غناء العزلة ضد العزلة"؟

والعصافير اكتمال للندى

في شرفة الحلم

تسد الأفق

تبحث عن طفولتها بذاكرة الفضاء الرحب

والفجر المُعلب في رفوف الصمت

واللغة الخفية للغناء على مسام العشب

والشجر المخبأ في تماثيل الشجر

الحزن لايتخير الدمع ثياباً..

ربما يمكن للمرأ أن يجزم أن هذه الأبيات ليست أقل من حادثة ظهور "الذات" في أكثر تبدياتها حزنا. و ألقا، و قوة!. في داخل مثل هذا الفراغ بين التعبير و الفهم.. بين الشجر و الشجر المخبأ في تماثيل الشجر! يغيب الإنسان ليظهر الحب. و فيها أيضا تظهر "الجمهورية".

إضراب الأطباء 2010م: فنُّ استعادة الفَشَل

الخلفية

لطالما لَعِبَ المتعلُّمون السودانيون، والطبقة الوسطى عموماً، دوراً رجعيَّاً في السياسة السودانية. فتحْتَ سَمَعِهم وبصرهم تمّ تمرير استراتيجية "تثقيف" الصراع السياسي. التثقيف الذي أخرج الاقتصاد والواقع المادي بالمُجمل من معادلة الفعل السياسي في البلاد. وبينما تحوَّلت السياسة السودانية إلى حالة دائمة من الصراع الثقافي بين العرب والأفارقة وبين الإسلاميين والعلمانيين، تم، وبصورة منهجية، سحقُ طبقات اجتماعية فقيرة وتجريدها من أية حياة ذات معنى. يشتغل العامل السوداني المتوسط لساعات طويلة جداً، إن كان في قطاع المواصلات أو في قطاع البيع بالتجزئة وغيرها، وفي أغلب الأحيان فإن هذا العامل يتحصل على فُرَص عمل بشكلٍ متقطِّع وباليومية. وليس له أن يحلم حتى بوظيفة دائمة أو بضمان اجتماعي في أوقات المرض أو عند التقدم في السن. ولأنه في الغالب شخص "جاهل" بلا أيِّ منفذٍ للمعرفة ومجال الاحتجاج الإلكتروني، فإن ضعفه سوف يُضَاعف نفسه مع الوقت، وستعمل نخبٌ دينيةٌ مقيتةٌ على نشر "وعيها الزائف" و"أفيونها" بين هذه الفئات لتُحوِّلْهَا لفئات فقيرة أصولية تعمل على منع نفسها ذاتياً من الحرية. على هذه الأنقاض البشرية عاشت الطبقة الوسطى السودانية امتيازها النسبي في التعليم الجيّد، واحتكار فُرص السفر للعمل وإكمال الدراسة في الخارج. ومؤخراً، قامت الحكومة بتمرير استراتيجية خصخصت بموجبها التعليم الأساسي والثانوي الذي كان المنفذ الوحيد الذي يصل الفقراء في السودان من خلاله إلى حياة أفضل. وبالتأكيد فإن الطبقة الوسطى السودانية، وهي القادرة على تعليم أبنائها بالمال، لم تُبدِ كثير تذمرٍ ولا قلقٍ من هذا الواقع التعليمي الجديد. 

من أين أتى هؤلاء؟

لا يمكن لعبارة الطيب صالح الشهيرة، التي هي في الواقع "من أين جاء هؤلاء الناس"، إلا أن تبدوا خرقاء إذا ما أخذناها بالمعنى الإحتفالي الذي روجت النخبة المعارضة له. شعور التفاجؤ الذي توحي به هو شعور مغفل على أفضل الفروض: الكل في السودان كان يعلم أن إحتمالية وصول الحركة الإسلامية للسلطة هي إحتمالية شبه مؤكدة، الحركة كانت قد أكملت عملية تدمير اليسار تحت وطأت إنتصارها الأيديولوجي الذي ترافق مع إنتصار آخر أوسع لليبرالية الديمقراطية في كل مكان، و كان زعيمها السياسي هو الوجه الأبرز في الساحة الساسية، و كوادرها و قواعدها هم القوة الأكثر حركية و تأثيرا. حتى الكراهية الشديدة التي حظي بها حسن الترابي كانت تشير لذلك، لا وعي المعارضين كان يخبرهم بأن الرجل قد إنتصر عليهم، و ذلك حرك فيهم أسوأ مشاعر اللا وعي العلمانية: كيف يمكن لهذا "الشيخ"، سليل مدارس التفكير الإخوانية الأصولية السطحية، و الرجل غير العابيء بالقيم السامية "للإعلان العالمي لحقوق الإنسان" و غيرها من الوثائق التي تقدسها النخبة، كيف يمكن له أن يتحول للرمز الذي لا يحرك القواعد غير المتعلمة فقط، بل و كذلك الطلاب و كثير من المثقفين؟ 

السبت، 13 أغسطس 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [3/3]

السؤال الأهم في تلك الفترة بالنسبة لي، أهم حتى من السياسة ومن كل شيء، كان: كيف يمكن أن أكون حراً؟ لاحظت بسرعة أنّ مجموعات الخارجين على الدين لا تمثل ملجأً بالنسبة لي.

الجمعة، 22 يوليو 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [2/3]

فكرياً، قُدِّم لجيلنا الخيار على أنه إما التزام نوع أو آخر من الأصولية داخل الدين، أو الخروج من الدين. وكما هو الحال مع كل الخيارات المفروضة علينا: أن نكون إما سُنّة وإما شيعة، إما علمانيين وإما إسلاميين، إما أصوليين متطرفين وإما ليبراليين لا مبالين... إلخ. فإن غاية ما يجب فعله هو البحث عن سبيل ما لرفض الاختيار، وأن نبدأ من نقطة أخرى.

كنت قد بدأت في الجزء الأول حكاية تجربتي مع مفكر أعتقد أنه يمثل هذه البداية، حيث قدمت خلاصة تجربتي مع الأصولية. في هذا الجزء سأتطرق للأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزت أمامي، وسأختم في الجزء الأخير بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.

الاثنين، 18 يوليو 2016

أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع [1/3]

فكرياً، قُدِّم لجيلنا الخيار على أنه إما التزام نوع أو آخر من الأصولية داخل الدين، أو الخروج من الدين. وكما هي الحال مع كل الخيارات المفروضة علينا: أن نكون إما سُنّة وإما شيعة، إما علمانيين وإما إسلاميين، إما أصوليين متطرفين وإما ليبراليين لا مبالين... إلخ. فإن غاية ما يجب فعله هو البحث عن سبيل ما لرفض الاختيار، وأن نبدأ من نقطة أخرى.

سأحاول أن أحكي عن تجربتي مع مفكّر أعتقد أنه يمثّل هذه البداية. سأبدأ أولاً بتقديم نتاج تجربتي مع الأصولية، ثم في الجزء الثاني سأتطرق إلى الأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزّت أمامي، سأختم بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.